استعادة السرديات: كيف تُحدث الدكتورة مريم السادة تحولًا في دراسة تاريخ النساء في الخليج

Image of the speaker, Maryam Alsada.

بصفتها خريجة وزميلة أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة جورجتاون في قطر (GU-Q)، تقود الدكتورة مريم محمد السادة مسارًا يجمع بين البحث الأكاديمي الدقيق والانخراط المجتمعي الحقيقي. تقدم في فصل الصيف مساقًا بعنوان “توثيق النساء في الخليج”، تدعو فيه الطلبة إلى التفكير النقدي في سياسات إنتاج المعرفة، وطرح تساؤلات حول كيفية توثيق حياة النساء في الخليج بطرق أكثر أخلاقية، وتوافقًا ثقافيًا، وابتكارًا.

بالنسبة للطالبة فطيم القحطاني، التي التحقت بالمساق كجزء من تخصصها الفرعي في التاريخ، كانت الفرصة ثمينة للانخراط في نقاشات غالبًا ما تتركز حول تجارب النساء الغربيات. تقول فطيم: “وقعت في حب التاريخ من خلال دراستي في GU-Q، لكنني كنت أشعر بالإقصاء من النقاشات النظرية حول الأنوثة”، وتضيف: “دراسة هذا المساق مع أستاذة تفهم تجارب نساء الخليج فاقت كل توقعاتي.”

صُمم المساق ليكون على هيئة ندوة تعليمية تعتمد على التعلم الميداني، ويجمع بين النصوص الأدبية، والدراسات التاريخية، والفن البصري، والسينما، إلى جانب زيارات ميدانية ومحاضرات ضيوف. وتقول الدكتورة مريم خلال زيارة للصف إلى “مطافئ: متحف الفن العربي الحديث” ضمن جولة لمعرض “مواقع من الخيال” للفنانة القطرية الرائدة وفاء الحمد: “لدينا عشر طالبات، جميعهن نساء، حريصات على استكشاف الطرق المتنوعة التي يتم بها توثيق نساء الخليج في السياقات الأكاديمية وغير الأكاديمية.” وأضافت: “وفاء الحمد هي الموضوع والراوية في آنٍ واحد. عملها يدفع الطالبات إلى طرح أسئلة مثل: من يوثق؟ ولمن؟ وبأي نتائج؟”

يستند المساق إلى بحث الدكتورة السادة لنيل درجة الدكتوراه، والذي تناول تجارب النساء في الخليج خلال فترتي الغوص على اللؤلؤ وبدايات عصر النفط، ويُعلِّم الطالبات استخدام الروايات الشفوية، والمواد الأرشيفية، والذاكرة الجسدية لفهم تاريخ الخليج من الأسفل إلى الأعلى. وهو المنهج الذي اعتمدته في أطروحتها بجامعة كوليدج لندن تحت عنوان “حيوات الفتيات والنساء في البحرين وقطر”، حيث تناولت فيها دور النساء في العمل الاجتماعي وقدرتهن على اتخاذ القرار ضمن تحولات سياسية واقتصادية معقدة.

تقول الدكتورة السادة: “لطالما كان للنساء في الخليج أصوات. مهمتنا كباحثين هي مساءلة البُنى التي قامت بتصفية هذه الأصوات أو إسكاتها أو تشويهها، والبحث عن مناهج تضع معارفهن وتجاربهن في المركز.”

واختتمت الندوة بعرض مشروعات توثيقية أصلية أعدتها الطالبات، اعتمدن فيها على مصادر أولية وثانوية، وقدمن أعمالًا إبداعية تناولت حياة نساء الخليج عبر الروايات الشفوية، والبودكاست القصير، والسرد البصري، والمعارض المُنسّقة. وتفاعلت جميع المشروعات بشكل نقدي مع قضايا مثل مرئية النساء، وملكية السرد، والحفاظ على التاريخ.

تناولت فطيم في مشروعها مساهمات جدتها، أسماء النعمة، في تطوير النظام التعليمي في قطر. وتقول: “تعلمت أن البحث الأكاديمي يمكن أن يبدأ من الحب، ويظل محافظًا على جودته وصرامته”، وأضافت: “المساق علمني أن استعادة التاريخ يمكن أن تكون فعلًا من أفعال الرعاية، خاصة عندما تتم عبر الروايات الشفوية والأساليب النسوية التي تعطي الأولوية للتجربة الحية. وأظهر لي كيف يمكن للسرد القصصي أن يقاوم المحو ويُعيد النظر في من تُعتبر أصواتهم جديرة بالتوثيق.”

ويرتبط هذا البُعد الإنساني جزئيًا بقرار الدكتورة السادة ربط المساق بمبادرة “مشروع إنجلهاد لربط الحياة بالتعلم”، وهي مبادرة من جورجتاون تُدمج الصحة النفسية والتأمل الذاتي في العملية التعليمية. وقد قدمت الدكتورة إيمي ووكر، المستشارة النفسية والمسؤولة عن برامج الإدماج في GU-Q، جلسة مخصصة حول أخلاقيات التوثيق ودور الرعاية في البحث العلمي. تقول الدكتورة السادة: “إعادة التفكير في الهياكل المعرفية في الأوساط الأكاديمية ليست مجرد تمرين نظري، بل تمنح الطلاب وسيلة لفهم موقعهم ليس فقط كباحثين، بل كأعضاء في مجتمعات متعددة ومتشابكة. ومن خلال التعرف على مواقعهم، يكتسبون وضوحًا وثقة لإنتاج معرفة قائمة على الأخلاق وذات معنى شخصي.”

كما شارك المساق في حملة “كتاب واحد، الدوحة واحدة” التي تنظمها مبادرة “قطر تقرأ”، حيث ناقش الطلاب ترجمة إنجليزية غير منشورة بعد من كتاب “مقامات الحريري”، وهو من كلاسيكيات الأدب العربي في القرن الحادي عشر. قرأ الطلاب مقتطفات من النص وناقشوها، ثم حضروا ندوة عامة في مكتبة قطر الوطنية، طرحت فيها الدكتورة السادة سؤالًا على الجمهور حول كيفية قراءة الجندر في النصوص العربية مثل “المقامات” من منظور نقدي وحساس للسياق. وقالت: “كيف يمكننا أن نُعيد تدريب أنفسنا لسماع صوت الأنوثة بطريقة مختلفة – لا كمفقود، بل كمحتجب أو مؤجل بفعل البنية؟” وأضافت: “في هذا الإطار الجديد يكمن احتمال نوع آخر من الاستماع – استماع يرى في الصمت شكلًا من أشكال الحضور، لا الغياب.”

وقد ترك هذا الدرس أثرًا كبيرًا في الطالبات. تقول فطيم: “قيادة النساء كثيرًا ما تُمحى من السجلات التاريخية، حتى داخل الأسر، لكنهن موجودات، وقصصهن تستحق أن تُروى.”

بوصفها خريجة، وعالمة أنثروبولوجيا، ومُربية، تجسد الدكتورة مريم السادة التزام جورجتاون بالتميز الأكاديمي والمسؤولية الاجتماعية. عملها، المستمد من رحلتها التعليمية، لا يسلط الضوء على السرديات المهمشة فحسب، بل يُمكّن الطالبات أيضًا من أن يصبحن حافظات للتاريخ بأنفسهن.

وتؤمن الدكتورة السادة إيمانًا راسخًا بالتعلم المتمركز حول الطالب والتدريس المرتبط بالمكان، وتعتبر أن التعليم هو شكل من أشكال البحث والرعاية في آن واحد. وتختم قائلة: “أريد لطلبتي أن يشعروا بأنهم متجذرون في تاريخهم – لا كمراقبين فقط، بل كمشاركين في تشكيل السرديات التي تُروى عنهم.”